2 / 10 / 2012 10 (2963)

اعترافات بحار سابق…

ينتباني في أحايين كثيرة حنين غريب للعودة إلى عملي السابق على متن السفن، مازلت أجهل سر هذا الشعور،  ربما هو أحد مظاهر البكاء على الأطلال كما تعودنا نحن العرب ضمن مسلسل نقدنا المستمر للحاضر والمستقبل.

مع أنني صرحت في تدوينة سابقا بأنني لا  ولن أفكر أبدا في التفريط في الحياة على أرض اليابس  إلا أنني لا أجد حرجا في أن أعود عن ذلك الرأي فلو أتيحت لي الفرصة للعودة بالزمن إلى الوراء لأعدت التفكير في ذلك الموضوع بشكل أكبر ولنظرت إليه بشكل أشمل، فلكي أكون منصفا فلم يكن العمل بحد ذاته سيئا، الهندسة البحرية تخصص جميل وممتع ومجال التطور فيه لاسقف له، فمازلت حتى الآن  أفتقد  تلك اللذة التي أشعر بها بعد الانتهاء من تفكيك وتركيب مضخة كاملة ورؤيتها تعود للعمل من جديد، أو اكتشاف علة ما أصابت أحد الأجهزة وعجز البقية عن اكتشاف سرها، المهام كان واضحة ومحددة لكل شخص على متن السفينة بل كل شيء كان واضح تقريبا فلا مجال للأخطاء وأنت في وسط البحر بعكس بعض الأعمال التي عملت فيها لاحقا، لا إدارة و لا تخطيط و لا معالم واضحة… كانت الحياة تمشي كما يقولون ( على البركة)

آخر رحلة بحرية لي كانت في منتصف سنة ٢٠٠٥  أذكر أنها كانت أجمل الرحلات التي خضت غمارها حيث مرت بشكل ممتع وسلس لذلك لم  أجتهد في البحث عن عمل كما تعودت في كل إجازة أقضيها على أرض اليابس، فقد كنت شبه يائس من أجد جهة أو مؤسسة حكومية تستوعب فكرة أن المهندس البحري هو بالأساس مهندس ميكانيكي و أن بإمكانه أن يعمل في أي مجال يتطلب مهندسين ميكانيكيين، كنت على وشك أن أقتنع بأنني مثل السمكة لا أستطيع العيش إلا في أعماق البحار أو هكذا أقنعوني، ولكن يسر الله لي عملا على أرض اليابس بأقل مجهود!

في الحقيقة لم يكن في الدافع الرئيسي لترك العمل على ظهر السفن  سوى سوء إدارة الشركة  التي كنت أعمل فيها في تلك الفترة وهو ما أدى إلى خسارتها لما يقارب ٢٠ من أفضل الكوادر المواطنة، كانت هناك عوامل أخرى مثل طول فترة ورديات العمل  والتي كانت تمتد إلى ٣ أشهر متصلة على ظهر السفينة في حين كان لدينا زملاء يعملون في حقول النفط البحرية بورديات لاتتجاوز الأسبوعين وبمقابل مادي مماثل إن لم يكن أفضل، كنت شابا يافعا حديث عهد بالزواج ووبناء أسرة لم يكن لدي بعد نظر ولا أتمتع بالصبر الكافي.

لا أستطيع أن أقول بأنني نادم على قرار ترك البحر، فأنا على يقين بأن ما كتبه الله كان خيرا لي ولكن اذا كان ولابد من الندم فأنا نادم على المحطات التي تلت تلك المحطة واختياري لمجال بعيد عن مجالي البحري، فحياة البحر علمتني الكثير من الأشياء، وفي الغربة كانت لي دروس عظيمة ساهمت في بناء شخصيتي وتشكلها بالشكل الذي عليه الآن.

أعترف أن معاييري في الاختيار كانت خاطئة لأنها كانت مرتكزة على المقابل المادي بشكل أساسي دون أخذ باقي الاعتبارات، كثرة التنقل بين الوظائف أضرت مسيرتي المهنية بشكل كبير والابتعاد عن قطاع النفط والغاز في مرحلة مبكرة نسبيا لم يكن قرارا موفقا، ولكن أمل أن تكون العودة إلي هذا القطاع مجددا عبر بوابة وظيفتي الجديدة هي بداية تصحيح المسار، مازلت أبكي سنوات عمري التي ضاعت في المحطة  الأخيرة دون أن أن أجني فائدة تذكر على المستوى الشخصي، وهنا أود أن أستعير عبارة المعلق الشهير فارس عوض “فلتكن مباراة للنسيان” ..لذلك أتمنى أن تكون هي بدورها  “وظيفة للنسيان”

******************

تصادف خلال عملي الحالي أن نقتسم في نفس المبنى مع مقر الشركة التي كنت أعمل بدأت من خلالها مسيرتي المهنية، وهو ما يتيح لي الفرصة للقاء مجموعة من الزملاء السابقين بشكل دوري إما في المصعد أو في المصلى وضمن أرجاء المبنى بشكل عام، الطريف في الأمر أن منهم من مازلت أتذكره ويذكرني و منهم لا أذكره ولكنه يذكرني ومنهم أفراد جيل جديد يعرفني عن طريق هذه المدونة ولا أعرفه!

لحسن الحظ فالظروف تحسنت عندهم بشكل جذري وأنا سعيد في الحقيقة لهذا التغيير، فورديات العمل تم تقليصها والرواتب تم تعديلها وأهم من ذلك كله هو إدارة الشركة التي تم استبدالها، فهل يا ترى كان علي أن أصبر مع الصابرين؟

للأسف لم يتبق لي من حياة البحر سوى ذكريات جميلة البعض منها دونتها في هذه المدونة لكي أعود إليها بين الفينة والأخرى كلما شعرت بالحنين..

أخر السطر:

إن كان لابد من نصيحة أسديها لكل من يعمل في المجال البحري فهي الصبر ثم الصبر ثم الصبر…فالخبرة العملية لا تقدر بثمن وسوف تجني ثمارها فيما بعد

أسامة الزبيدي، مدون ومصور فوتوغرافي , من مواليد العاصمة الإماراتية أبوظبي في 1978 بحار سابق وموظف حالي ورجل أعمال على قد حاله

اجمالى التعليقات على ” اعترافات بحار سابق… 10

    1. أسامة رد

      حاليا الظروف غير مواتية لكن أن أتيحت لي الفرصة المناسبة فلن أتردد بالتأكيد

      أيام البحر كنت أفتقد أشياء كنت أقو بها على أرض اليابس والآن انقلبت الآية

      يبدو أن بني الإنسان لا يملأ عينه إلا التراب!

  1. رمزي الكاف رد

    الحياة تجارب و الأهم أن نتعلم و العبرة في الأخير…

    الحمد لله على كل حال وموفق إن شاء الله

    1. أسامة رد

      هي كذلك يا أيا زايد… وأعتقد تجربتك العملية تعد من أجمل وأغني التجارب

      تمنياتي لك يمزيد من التوفيق 🙂

  2. Star رد

    الحياه مليئه بالتجارب، والإنسان الذكي من يحسن التصرف في الوقت و الزمن المناسبين، اللي تشبع من الندم لا يستمر في تنغيص حياته في التحسر، ولكن يعيش حياته وان احس بانه كفؤ لان يشغل مكانه او وظيفه او موقع اي كان فعليه ان يخوض التجربه ويباشر فيها متى ما سنحت له القرين بذلك، مازالت الكره في ملتقط اخي ابو عامر ودمتم موفقين.

      1. أسامة رد

        الحمدلله فأظن أنني نجحت في تدارك ما فات قبل فوات الأوان، وتظل التجارب الماضية سواء كانت إيجابية أو سلبية ذات رصيد يمكنني الرجوع إليه
        شكرا على مرورك من هنا

  3. بوحمد رد

    هذا المقال اثار فيني الشجون، اربع سنوات مضت منذ ان قررت تغير الوظيفة التي احببتها وتمنيتها بسبب مديري الاجنبي الذي كان اقل مني خبرة ونزاهه. سنة بعد انتقالي تم اكتشاف اختلاساته وفصله من العمل فسافر محمل بالملايين التي تهبها في ظل غفلة الإدارة.

    الوظيفة التي انا بها الان قتلت مستقبلي المهني (ان كان لايزال لدي مستقبل) ولا زالت تقتل فيني الرغبتي في الابداع والعطاء، ففي كل يوم اندم على تلك الخطوة التي اتخذتها بسبب مغريات الراتب والراحة من انسان تافه.

    الان انا اقف عاجز عن اتخاذ خطوة اخرى فانا لا استطيع ترك ما لدي بسبب الالتزامات المادية والاسرية، ولا يمكنني الحصول على وظيفة اخرى كالوظيفة التي كنت فيها بسبب ابتعادي لزمن طويل عن تخصصي الرئيسي.

    تحياتي،

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *