28 / 2 / 2012 22 (4913)

نريد سوقا قديما..

قبل أيام كنت أتسوق في أحد متاجر العطور التي دائما ما أتردد عليه في سوق مدينة زايد، فأنا من المتسوقين الذين لا يحبون التغيير، حيث تعودت أن أقتني احتياجاتي من محلات إياها لا أحيد عنها، فالعمر أقصر من أن أضيعه في التجول داخل الأسواق.

المشكلة أن ذلك يغري بعض أصحاب تلك المحال برفع أسعار بضائعهم كونهم على ثقة أنني زبون وفي لمحلاتهم في حين يستغل البعض الآخر الفرصة للانتقام مني على فصول “تنشيف الريق” التي عادة ما تصاحب كل جولة شرائية!

من باب الفضول سألت صاحب المحل عن السبب الذي لم يدفعه للهجرة العكسية إلى السوق المركزي الجديد الذي أعيد افتتاحه مؤخرا والذي عوّض ما كان يعرف سابقا بمنطقة السوقين القديم والجديد، فمازلت أذكر موقع محله الصغير الذي طالما كنت أتردد عليه برفقة الوالد قبل ما يقارب العشرين عاما، والذي استمر إلى أن تقرر أن يتم إزالة المنطقة بأكملها قبل بضعة سنوات وإعادة تطويرها فيما يعرف بمشروع السوق المركزي.

العذر الذي ساقه إلي بأن سقف الإيجارات هناك عالي جدا ولا يشجع على افتتاح فرع هناك، كما أنه من الواضح أن المبيعات لديه (آخر حلاوة) والدليل على ذلك تواجد كثيف لأمهات الركب السوداء أقصد العباءات السوداء لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان على أبو وزار وفانيلة (أستظرف كثيرا تلك التسميات للجنسين والمناوشات الحاصلة بينهما ضمن مسجات البلاكبيري وإن كنت أستنكر حدة بعضها!) أن يجد له موضع قدم له بالداخل.

تفاصيل ذلك الحوار أعادني بالذاكرة إلى سنوات جميلة ماضية سبقت هدم ذلك المعلم الشهير والذي كان آخر عهدي به في 2003 بعد أن شب في أحد السوقين حريق هائل  التهم عددا كبيرا من محلاته ، فلا أدري لماذا كلما تجولت في أنحاء المبنى الجديد أشعر بغصة وألم يعتصران قلبي، هذا المبنى الذي لم يكمل بعد عامه الأول منذ افتتاحه رسميا .

المبنى الحالي للسوق ذو الثلاثة طوابق ومثلها أو أكثر تحت الأرض خصصت كمواقف للسيارات لايبدو في نظري ونظر الكثيرين سوى مركز تجاري آخر لا يختلف كثيرا عن الطراز العام للمراكز التجارية المنتشرة في أنحاء العاصمة، بل شخصيا بت الآن أفضل التسوق في تلك (المولات) على هذا السوق الذي أجده غامضا كئيبا يفتقر إلى الإضاءة الجيدة والتهوية التي كانت توفرها الممرات الفسيحة والساحات الرحبة التي كانت تميز السوق السابق.

كلما مررت في منطقة السوق أبدأ في التأسي والترحم على حقبة جميلة من حياتي، ففي ممرات ذلك السوق كانت لي ذكريات جميلة وبين ساحاتها الرحبة شخوص مازالت خيالاتها موجودة في الذاكرة، وقد سبق لي أن سردت عن مجموعة من تلك الذكريات في تدوينة نشرتها قبل بضعة سنةات كانت بعنوان (هل المدنية تقاس بالأشياء الجديدة؟) .

في دبي هناك سوق الذهب وسوق مرشد، في الشارقة هناك السوق الإسلامي وسوق المجرة ، وإذا ما زرت الفجيرة فلابد أن تمر على سوق الجمعة، وقس على ذلك كل مدينة قريبة كانت أم بعيدة لابد أن يكون فيها سوق قديم تفوح من على جوانبه عبق الذكريات التي لا تنسى وتربط الجيل الحالي بالجيل السابق.

استيقظت من حديث الذكريات على صوت البائع الهندي وهو يناولني فاتورة مشترياتي من العطور، وتخيلت لوهلة التغيرات التي ستطرأ على ترتيب تلك الأرقام إذا ما أخذ بنصيحتي وقرر الانتقال إلى مبنى السوق المركزي الجديد، أعتقد أنه سيحتاج إلى صفر إضافي على اليمين طبعا، حينها لا أعتقد أنني سأعود للشراء منه مجددا!

*مصدر الصور

أسامة الزبيدي، مدون ومصور فوتوغرافي , من مواليد العاصمة الإماراتية أبوظبي في 1978 بحار سابق وموظف حالي ورجل أعمال على قد حاله

اجمالى التعليقات على ” نريد سوقا قديما.. 22

  1. بن يحيى رد

    اخيرا .. كنت انتظر من فتره طويله ان تكتب عن هذا الموضوع

    اتفق معك تماما في حاجتنا للاسواق ذات الطراز القديم لعدة اسباب , و لقد ذكرت اغلبها في هذه التدوينه .

    زرت المبنى الجديد و لم يعجبني تماما . من اللحظه الاولى التي دخلت فيها كنت اريد ان اغادر المكان . احسست ان المكان مظلم و لا شي فيه يذكرني بالسوق القديم . كنت اعتقد ان سأجد اشيا معنيه مرتبطه في ذاكرتي بذاك السوق

    اما عن الاسعار فحدث ولا حرج و اسعار خياليه لاشيا عاديه , وعندما تعلن استنكارك يبدا البائع يقص عليك قصة الايجارات العاليه .

    1. أسامة رد

      الحمدلله فلست الوحيد الذي أصيب بالكآبة من جراء دحول ذلك المبنى
      الله يعوضنا يا علي!

  2. أبو مروة رد

    لعل رأي في الموضوع معروف لك و لكن ما يزيد من الشعور بالاسي بعد كل زيارة للمكان الجديد علي ذلك المكان الاصيل ليس فقط غيابه بل عدم وجود اي شىء يمكن ان يعكس صورة مما كانت المدينة عليه قبل نبوت كل هذه الابراج الزجاجية سوي صور من هنا و هناك قد يصعب تحديد اماكن بعضها مع مرور الوقت
    تظل ابوظبي هي المدينة النظيفة الجميلة و التي قد يصعب تحديد تاريخها و هويتها لمن اتي اليها مؤخرا خاصة و لكن العزاء لم تكن ابوظبي اول و لن تكون اخر مدينة في العالم يبتلع فيها الجديد كل قديم.

    لك مني الود

    1. أسامة رد

      السياح في العادة وخصوصا الأجانب ينبهرون في البداية بالتطور العمراني لكن بعد فترة يبدؤون بالبحث عن الأشياء والمواقع القديمة والتراثية والتي لا تمتلك منها أبوظبي سوى القليل الذي أتمنى أن لايتم ابتلاعه هو بدوره..

  3. وليد حمدوني رد

    الليل ،والسوق القديم

    خفتت به الأصوات ،إلا غمغمات العابرين

    وخطى .. الغريب

    وما تبثّ الريح من نغم حزين

    في ذلك الليل البهيم

    الليل ، والسوق القديم ، وغمغمات العابرين

    والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب

    مثل الضباب على الطريق

    من كل حانوت عتيق

    بين الوجوه الشاحبات

    كأنّه نغم يذوب

    في ذلك السوق القديم
    كم طاف قبلي من غريب

    في ذلك السوق الكئيب

    فرأى وأغمض مقلتيه ، وغاب في الليل البهيم

    و ارتجّ في حلق الدخان

    خيال نافذة تضاء

    والريح تعبث بالدخان ……0

    الريح تعبث ، في فتور واكتئاب ، بالدخان

    وصدى .. غناء

    يذكّر بالليالي المقمرات… وبالنخيل

    وأنا .الغريب أظل أسمعه… وأحلم بالرحيل

    في ذلك السوق القديم

  4. أبو هند رد

    من السلبيات في خطة تطوير وتوسيع إمارة أبوظبي عدم الإبقاء على المعالم القديمة وحتى لو أكل عليها الدهر.

    1- السوق القديم و الجديد
    2- النافورة الكبيرة التي على الكورنيش
    3- شاطي الراحة
    حتى أنني سمعت أنه سوف يتم هدم المجمع الثقافي.

    وأماكن ومعالم أخرى قد إندثرت ومع أنه بالإمكان الإبقاء عليها لعدم الحاجة الضرورية للمكان . إذا إتجهت إلى أوروبا ترى فيها الطراز القديم من العمارة و الشوارع التاريخية مع ذلك يكمن فيه التطور المعماري و التكنولوجي .

    1. أسامة رد

      كانت هناك أخطاء فادحة جدا وأظن المسؤولين حاولوا تدارك هذه الأخطاء عبر إنشاء مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني الذي أتمنى منه أن يساهم في المحافظة على ما تبقى من معالم مع أنها ليست كثيرة ولا بالأهمية التي كانت عليها تلك المعالم التي اندثرت على رأسها السوق القديم

  5. الذهب رد

    هييي هيييه

    من اسبوعين زرت دولة قطر

    ومن ضمن الاماكن اللي زرتها .. سوق واقف

    بصراحة .. يردك لزماااااان اول وبصراحة عيبني واااايد
    الا شي واحد

    اللي هو (القدو ) او الغليون عقولتهم .. لكن الطراز بالشكل القديم والبسيط

    واقبال الناس عليه ماشاء الله

    حتى المطاعم .. بتحصل منها الاشياء الحديثة .. وبتحصل الاشياء الشعبية
    مثل الدنجو والباجلا والهريس … وغيره وغيره من الاكلات

    وأنصح اللي يفكر يزور ( قطر ) لا يفوته سوق واقف .. ويكون هناك فترة العصر قبل المغرب بنص ساعة
    وبعد يشوف الاجواء الليلية عقب المغرب .. فأتوقع التوقيت هذا بيكون مناسب
    عشان الواحد يلحق على النهار والمساء

    وبيشبع من تصوير اللقطات الحلوة

    1. أسامة رد

      لم يسبق لي زيارة قطر من قبل إلا أنني سمعت الكثير عن سوق واقف في الدوحة.. أتمنى أن تتاح لي فرصة زيارته هذا العام
      يالتيك أخبرتنا عندما عزمت!

  6. سراج علاف رد

    الأسواق القديمة تحتفظ بذكريات الإنسان بين جنباتها وأزقتها
    عندنا في مكة بدأت هذه الأسواق في الإضمحلال .. خاصة القريبة من الحرم .. ما كان يميز هذه الأسواق أنها كانت تحتوي على محلات كبار التجار والذين كانوا يوفرون أجود أنواع السلع .. لا ما يعتقده البعض من أنها أسواق الفقراء 🙂
    في ظل التطور سيتحسف أبناءنا على المولات يوما ما .. هذه سنة الحياة

    1. أسامة رد

      وضعكم أهون يكثير من وضعنا الحالي أخي سراج، لو زرت أبوظبي لعرفت أنكم بنعمة..
      يا ترى ما هو الجيل الجديد من الأسواق بعد المولات؟ أطباق طائرة مثلا؟:)

  7. سمو المجد رد

    الله يرحم يا اسامة
    ايامه كانت جميلة كلما مررنا من جوار دكان ينادينا صاحبه ( ارباب تفزل تفزل ) ^ ^
    اما الان فانني اجد كما قلت كئيبا
    ولن تستطيع ان تشرتي منه شيئا كون انني اعتقد بانه تم عمله للاجانب والبريطانيين هههه

    ليته يعود القديم
    قديمك نديمك لو جديدك اغناك

    1. أسامة رد

      أيام بالفعل كانت جميلة.. مازلت أذكر جيدا محل أيوب وبجانبه محل هوليوود.. كنت أشتري منه حقائب المدرسة… هولويوود ذهب ولم يعد أما أيوب فهو لليوم مازال موجودا

  8. عبدالله رد

    سبحان الله و الله يا اخ اسامه انا زرت السوق مره مع ربعي و نفس الاحساس مكان كئيب جدا و مظلم .. و حتى الوصول الى السوق متعب من ناحيه الزحمه .. فاشل بمعنى الكلمه و حرام الفلوس اللي راحت عالسوق كان ممكن انهم يخلونه بسيط.. محلات من الطرفين باسلوب قديم و ممر بين المحلات مثل سوق القديم فالشارقه و بس.البساطه هو سر الابداع في كل شي .. بس ربعنا يحبون الخقه ..

    1. أسامة رد

      حتى الآن لم أجد أي شخص امتدح السوق.. فالجميع اتفق على عدم حبه!
      أمنى أن يتدارك المسؤولون هذه النقطة ويتم إنشاء سوق جديد ولكن بمواصفات قديمة!

  9. شفّاف رد

    أكثر ما يعلق في الدكاكين القديمة بالنسبة لي , رائحة البهارات , والحبوب والأعشاب , أتذكر دكاكين الإيرانية …
    ود

  10. بيان رد

    احتا مساعده اشتريت كاميرا باناسونك شبه احترافيه اتورطت
    طفشتني ماعرفت لها مفكره ابيعها 🙁
    انقذني

  11. عبد الرحمن السقاف رد

    تعرفون ليش الأسواق القديمة حلوة – بنظري طبعا –
    *ربما لأن أمهاتنا كن يصحبننا معهن ورغم الملل من التجوال وراء الحريم إلا أننا كنا لا نسنى أن ننغص عليهن بطلب ساندويش شاورما أو عصير*
    * وربما أيضا لأننا كنا نبتهج بمصاحبة أبناء صاحبات أمهاتنا أو قريباتهن … فالأمهات كثيرا ما يأتين مع نساء أخريات للاستيناس بالتسوق ونحن مستانسين بالرفقة مع الربع الصغارية إللي مثلنا ونلعب استغماية ولا ما أدري شو يسمونها وبعدين نضيع ونبكي*
    *ربما من الشعور بعظمة الأم التي عادة ما تكون منكسرة أمام الأب بينما نفرح برؤية أمهاتنا وهن يكاسرن البياعين إلى أن يطلعن أرواحهم … في حلقة حلوة لمسلسل أم خماس … كم آخر … آخر كم؟ *
    يعني من الآخر حلاوة الأسواق القديمة ذكريات الأمومة والطفولة التي تملؤها بس سامحوني تفلسفت مع إني ما شفت السوق المركزي الجديد

  12. راشد المنصوري رد

    كان مكان سكني و عملي بجانب السوق لمدة ٥ سنوات كان التسوق و المشي به متعه رائعه و عند اغلاق السوق و هدمه تغيرة حياتي ١٥٠ درجه انتقلة للسكن مع العائله و تغير مجال عملي ايضا !!! للاسف سوق المركزي الجديد مول متكرر للمولات ابوظبي و اللي يميزه فقط الجو الكأئبه و الرائحة دخان الشيشه الصادره من المقاهى……

  13. أبو رضوان رد

    آخ عليك يا أبوظبي. أنا عشت فيها منذ 1997 حتى هذه اللحظة وقد كانت من أروع مايكون في الماضي. ببساطتها وحلاوتها وهدوئها الكبير. كنا كل يوم نذهب إلى السوق المركزي (كنا نسميه السوق العربي).

    مازلت أذكر الجسر الواصل بين طرفي السوق. مازلت أذكر اصوات موسيقى ألعاب الأطفال من جميع المحلات في الليل. و أذكر أيضاً بطاقات الهاتف السوداء التي كنت أراها كثيراً على الأرض والتي كان يرسم عليها أي شيء تراه في البحر. مرة صدفة ومرة حصان البحر وغيره وكنت أهوى تجميعهم. وأنا ممتن لأنني لم أذهب إلى السوق الجديد أبو مساطر طويلة (الأبراج) لأنه لن يكون بهذه الإيام ، مهما حاولوا ، أن يكون رقي المبنى قريب لرقي وبساطة السوق القديم.

    وبالنسبة للمجمع الثقافي فأنا أذكر أنهم أغلقوه بأول عام 2010 بشهر يناير (كانون الثاني) وهدموا واجهته بشهر مارس (آذار) أو ابريل فأنا أقيم مقابله. وللآن هو مغلق ونحن لانعرف إن كان سيبقى ويعاد افتتاحه؟ أو سيهدم؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *