Close

عباءة بالريموت كونترول(1-2)!

شاءت الظروف أن أقوم بتوصيل أسرتي و التجول معهم في إحدى المحلات التي تقوم ببيع و تفصيل الشيل و العباءات النسائية، تحرجت في البداية من الدخول إلى المحل لكن مع حرارة الجو اللاذعة و الرطوبة الشديدة لم أجد مفرا من أن أتبرد قليلا داخل المحل ريثما ينتهون من قضاء احتياجاتهم، تركت أسرتي برفقة إحدى البائعات و صرت أتجول ببصري في أنحاء المحل مستكشفا ما حولي (ببراءة) فأول ما لفت نظري عباءة معلقة في واجهة المحل اعتقدت من فرط زينتها و كثرة التطريز الذي عليها أنها فستان زفاف! لكن ما لبث أن نفيت الفكرة بعد أن انتبهت إلى لونها الأسود!

أدرت بصري إلى ركن من أركان المحل فيبدو أن خطوط الموضة قد امتدت هذه الأيام من الملابس و الفساتين حتى طالت الشيل و العباءات فوقع بصري على مجموعة من العباءات المطرزة و المزركشة، فإحداهن مطرزة بخيوط ذهبية مصحوبة بمجموعة من (فصوص الكريستال) و ثانية شكل التطريز الذي عليها شعارا لإحدى أندية الكرة في الدولة بجانب عبارة (كاس 2000 لنا) هذا و إن دل فإنه يدل على وجود مشجعات (متعصبات) لفعاليات الدوري المحلي خصوصا بعد السماح بتواجد اللاعبين الأجانب! أما العباءة الثالثة فيبدو أن صاحبتها أحبت أن تجلب الانتباه أكثر و أكثر فقامت بتزيينها بمجموعة من (التوصيلات الكهربائية) و علقت عليها أنواع مختلفة من (الشرائح الإلكترونية) مختلفة الأحجام حتى تبين لأقرانها أنها مسايرة لركب الموضة و التكنولوجيا في نفس الوقت! أما عن كمية التطريز فيختلف باختلاف ذوق الفتاة فهناك التطريز الخفيف على الأكمام – إذا كانت موجودة أصلا!- و منهن من يفضل التطريز عل الأطراف (مطاقمة) لتطريز الشيلة أما المهوسات بفن التطريز فيفضلن التطريز ( من فوق لتحت.. وش و قفا) و كل شيء بحسابه!!

أدرت بصري بعيدا إلى ركن آخر من أركان المحل بعد أن كادت عناقيد الكريستال التي تزين إحدى العباءات أن تعمي لي بصري، حتى توقفت عند قسم العباءات (المخصرة) أو كما يطلق عليها أهل الموضة (العباءات الفرنسية) ، فجال في خاطري تساؤل سريع عن علاقة عباءتنا العربية بالمسمى الفرنسي فبم أنني لم أجد أحدا حتى يقوم بالإجابة علي قلت لنفسي لعل مصممها (فرنساوي) !و بينما أنا أتفحص إحدى عباءات هذا الركن استوقفتني لافتة مكتوب عليها: للرشيقات فقط .. أقصى حد لمحيط الخصر (10 مليمتر)!!

فوجئت بأحد ما يقوم بشد طرف ثوبي فإذا هي أختي الصغيرة تطلب مبلغا من المال حتى يقوموا بدفع العربون فأعطيتها ما طلبت و أكملت جولتي حتى وصلت إلى ركن العباءات (المثقبة)، فاكتشفت أن لكل موسم حجم معين من الثقوب، فعباءات موسم الشتاء ذات ثقوب خاصة و لموسم الصيف عباءات لها مواصفات أخرى، فعباءات الشتاء غالبا ما تكون ثقوبها صغيرة و ضيقة نظرا لاعتدال الطقس في ذلك الوقت من أوقات السنة فتقل الحاجة إلى عمليات (التهوية) أما من عباءات الصيف فلقد جذب انتباهي عباءة (أوتوماتيك) يتصل بها ثرمومتر خاص يقوم بالتحكم بعملية فتح و إغلاق الثقوب التي عليها تبعا لمعدلات الحرارة و الرطوبة لتوفير التهوية المناسبة حفاظا على البشرة (الحساسة) لبعض الفتيات خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة و ما تجرها من تأثيرات (نفسية و فسيولوجية)!أما عن أشكال تلك الثقوب فتتنوع ما بين الثقوب الدائرية التقليدية و غيرها من الأشكال الهندسية المعروفة لكن الموضة الضاربة هذه الأيام هي الثقوب التي على شكل (قلوب) مواكبة للجو الرومانسي السائد وسط فئة من الفتيات! و لن أستغرب إذا شاهدت في يوم من الأيام عباءات (مكيفة) تعمل بالطاقة الشمسية و بالريموت كونترول!!

و بينما أنا منهمك في خيالاتي سمعت صوت جلبة و دوي عنيفين فلجأت إلى أحد أركان المحل أختبئ فيه داخل إحدى العباءات ظننا مني بأن هناك غارة إرهابة تشن على المحل فإذا هي بفتاة تدخل و عيناها تقدح شررا تصرخ بحثا عن صاحب المحل الذي نزل من الطابق العلوي و هو يرتجف خوفا، ففهمت أن الفتاة غاضبة لأن عباءتها التي قامت بتفصيلها حديثا لم تكن على المواصفات الـ (سبيشال) كما وعدوها، فلقد طلبت عباءة (بدون كم) ليس (نص كم) كما أنها طلبت أن تزين عباءتها بقطع مخملية على شكل (نجوم و قلوب) لكنها فوجئت بـرسومات لـ (جماجم و شعارات نازية)! و أيضا لقد أكدت على البائعة أكثر من مرة أن تفصل لها عباءة من القماش الـشيفون (بني خفيف) و لم تطلب قماش دانتيل (عاكس شامل) أو صوفي (سوبر دارك) فيكفي أن الجو حار و كذلك ليس من المعقول أن لا يشاهد المعازيم في عرس شقيقها فستان السهرة الذي فصلته و بذلت فيه (تحويشة العمر)!

و هكذا بعد فاصل من (الصراخ و الزعيج) رضخ صاحب المحل لمطالب تلك الفتاة سليطة اللسان و وعدها بأن يقوم بتفصيل عباءة جديدة لها (سوبر سبيشال) بالمواصفات التي طلبتها عوضا عن تلك التي أفسدها بالإضافة إلى شيلة (30 %) مجانا مزودة بنظام الـ(A.S.S) “Automatic Sliding System” المطور الجديد المسهل لعملية إنزلاق الشيلة على الرأس لذوات الشعر (الخشن)! خرجت الفتاة من المحل و هي تتوعد صاحب المحل أن (تقلب المحل على رأسه) إن هو أفسد العباءة هذه المرة فلم يبق على العرس إلا أيام قليلة و طلبت منه أن يقوم بإرسال رسالة (SMS) على هاتفها النقال عند انتهائه من تفصيلها!

فوجئت بأحد الأشخاص من خارج المحل يطرق الواجهة الزجاجية في الركن الذي أختبئ فيه و هو يضحك فاكتشفت أني كامن داخل عباءة (شفافة) في الركن المخصص لذلك النوع من العباءات مما جلب انتباه المارة خارج المحل اعتقادا منهم أني أحد طاقم تصوير برنامج (الكاميرا الخفية)، فخرجت مسرعا من مكمني (الشفاف) لأفاجئ صاحب المحل و الذي يبدو أنه لم يفق بعد من صدمة الفتاة التي خرجت قبل قليل فانتهزت الفرصة و تظاهرت أني كنت أقلب تلك العباءة ثم سألته عن سعرها فأعطاني سعرا خياليا فأطلقت صفيرا طويلا و هممت بالخروج و لكن استوقفتني عباءة مطرزة بشعار سيارات الـ (لكزس) و بجانبها لوحة صغيرة مكتوب عليها عبارة (لكزس 400 )فسألته عن سر تلك التسمية فأجابني مبتسما أن مواصفات تلك العباءة فخمة و فاخرة كفخامة ذلك النوع من السيارات! فاستفسرت عن سعرها فسألني : هل تريدها بـ (ليتات غاز ام عادية)؟! لحسن الحظ أنقذتني أختي الصغيرة عندما جاءت تشد ثوبي مجددا كي تخبرني بأنهم (ماتوا حر) داخل السيارة ، شكرت صاحب المحل و هممت بالخروج مرة أخرى لكن شد انتباهي أحد الأقسام التي لم تنل نصيبها من الإضاءة و الديكور اللازم فاقتربت بحذر فشاهدت عليها لافتة متآكلة كساها الغبار مكتوب عليها : قسم العباءات (السادة)!

عدت إلى سيارتي مسرعا قبل أن يفتحوا معي (محضر تحقيق) وطلبوا مني أن أوصلهم إلى محل للخياطة أو دار للأزياء كما يطلق عليها هذه الأيام.. و هناك حدثت لي قصة أخرى و للحديث بقية…