Close

وحيدا في المطار

أديت ما علي من صلوات و أنا جالس في مكاني بعد أن أيقنت أنه لا أمل في أن يخف الزحام، فكلما خرج راكب من دورة المياه تبعه آخر مباشرة بدون أي فاصل إعلاني و هكذا دواليك حتى حان موعد الوصول.

تمنيت أن يكون فيلم (911 فهرنهايت) ضمن قائمة الأفلام المعروضة في برنامج الترفيه المتطور الخاص بكل مسافر فلاشك أنه يستحق المشاهدة بعد أن حصد العديد من الجوائز العالمية مع أنه يصنف ضمن الأفلام الوثائقية، كما أن أحد الأصدقاء امتدحه لي ونصحني بمشاهدته و هو يشيد بمخرج الفيلم الذي برع في إظهار مدى الغطرسة و الوقاحة التي يتمتع بها ساسة بلاده على رأسهم الأحمق المطاع “بوش”، و لكن للأسف لم تتحقق أمنيتي فقضيت وقتي أفرغ شحنة الفضول التي بداخلي عبر الضغط على الأزرار المختلفة أنتظر أن يتكرم علينا طاقم الطائرة بوجبة الطعام فعصافير بطني كانت (تعوي) من فرط الجوع خصوصا بعد المجهود الخارق الذي بذلته من أجل اللحاق بالطائرة!

لم يدم إنتظاري طويلا فسرعان ما تم توزيع الوجبات و كان نصيبي وجبة معكرونة دسمة لم يستغرق القضاء عليها وقتا طويلا، كنت مرهقا بسبب عدم حصولي على فترة نوم كافية في الليلة السابقة و هكذا عهدي طوال أيام إجازتي القصيرة التي كنت أتجنب فيها النوم لساعات طويلة محاولا استغلال وقتي قدر الإمكان لذلك غلبني النعاس بسرعة خصوصا مع امتلاء معدتي بالطعام، و ربما نمت حوالي الساعتين قبل أن أفتح إحدى عيني على حركة المضيفة و هي تناولني كوبا من عصير البرتقال لأضعه جانبا و أنا في حالة من (اللانوم و اللايقظة) و من ثم أغمضت عيني من جديد.

تناولنا جميعا إفطارا خفيفا قبل أن تشرع الطائرة في الهبوط تدريجيا في أجواء سنغافورة إلى أن توقفت تماما في مدرج المطار الساعة السابعة صباحا، و شرعت في لملمة حاجياتي قبل أن أقف وسط طابور المغادرين، و أثناء وقوفي لمحت نسخة من صحيفة الخليج الإماراتية مرمية على إحدى المقاعد فدسستها في حقيبتي الصغيرة فأي صحيفة أو مطبوعة عربية تعد بمثابة الكنز من الصعب التفريط به خصوصا عندما تكون مقبلا على فترة من الانقطاع عن العالم من حولك.

أخيرا فتحت الأبواب و تحركت الحشود مغادرة و من نمر به من المضيفين و المضيفات يودعنا بابتسامة قائلا: Bye Bye و See You لأتذكر عندها طفلي الصغير “عامر” الذي كان يردد دائما خلال أيامي القصيرة معه: Beeeeee Bye بعد أن يطالبني بالحلوى قائلا: (حوااااااوة) و هو يمد يده اليمنى الصغيرة نحوي واضعا أصبعا من أصابع يده اليسرى في فمه بكل وداعة و براءة… مشيت بخطوات واثقة و مسرعة نحو نهاية الخرطوم المتصل بالطائرة، و أخذت أتلفت حولي يمنة و يسرة بحثا عن إحدى موظفات الـ (Meeting Service) حاملة بين يديها لوحة مكتوب عليها اسمي لكي تقوم بتخليص إجراءات الدخول كما درجت العادة في كل مرة ألتحق فيها من سنغافورة، أخذت أحوم حول المكان لبعض الوقت و لكن لم يكن لها أي أثر، فقررت أن أتجه نحو قاعة الوصول لربما فضلت انتظاري هناك.

لما لم أجد أحدا بانتظاري أيقنت أن لبسا ما حدث تسبب في عدم حضور ممثل الشركة التي تتولى مهمة توصيلنا إلى الباخرة، و لكنني تشبت بأمل أنه تأخر عن موعد الحضور ومازال في الطريق و شرعت في تعبئة نموذج الوصول الذي يتوجب على جميع المسافرين الأجانب إكماله.

جربت حظي في المرور من نقطة الجوازات معتمدا على أن مواطني دولة الإمارات لا يحتاجون إلى تأشيرة دخول و لكنني خشيت أن تسألني الموظفة عن تذكرة العودة و عن مكان إقامتي في سنغافورة خصوصا و أنهم صاروا أكثر تشددا مع السياح العرب بعد الأحداث الأخيرة، لكن الموظفة قامت بكل غرابة بختم جوازي و السماح لي بالعبور، فهرولت مسرعا قبل أن تغير رأيها و لم أنس أن آخذ معي بعضا من قطع الحلوى اللذيذة الملونة من الإناء الصغير الموضوع بجانبها!

لحسن الحظ وجدت في حقيبتي رقم الهاتف الذي يمكن الاتصال به في حالات الطوارئ، فأجريت اتصالا سريعا بأحد الموظفين الذي يبدو أنه كان يغط في نوم عميق كون ذلك اليوم هو الأحد إجازة رسمية، و أخبرني بأنه سيرسل حالا من يأتي لأصطحابي إلى الفندق.

مضت ربع ساعة قبل أن يطل السائق الصيني العجوز الذي أذكر أنه استقبلني في مرة سابقة، و تأسف لي على التأخير فالإميل الذي بحوزته كان يؤكد أن موعد وصولي هو صباح اليوم التالي.

اتخذت مكاني في إحدى مقاعد الباص الصغير الذي يشبه الباصات التي تقوم بتوزيع الخبز عند محال البقالة و السوبرماركت، و لكن مستواه كان أرقى نوعا ما فعلاوة على أنه مكيف فهو يضم مجموعة من وسائل الترفيه كجهاز التلفزيون و الـ DVD أي أنه باص (خبز) متطور يضاهي فخامة سيارات (الليموزين)!

و صلت إلى الفندق… و وصلت أخيرا إلى نهاية هذا الجزء على أن أكمل لكم بقية الأحداث المثيرة في الحلقة القادمة..!!

(970)