Close

يابانيون مطاطيون(2-2)!

اتفقت مع سائق سيارة الأجرة أن يعود ليأخذنا من نفس المكان الساعة الحادية عشرة مساء ، فسبع ساعات فترة كافية لإفراغ ما في جيوبنا من أموال، فبعد محاولات مضنية جربت فيها كل الطرق لإفهام السائق بموعد العودة الذي بالكاد يفهم أساسيات اللغة الإنجليزية ( وكذلك معظم اليابانيين) لم أجد طريقة سوى استخدام أصابع يداي العشرة!

أول ما صادفنا فور نزولنا مركز تجاري ضخم فأسرعنا الخطى نحوه وسط الزحام، و فور دخولي للمركز بادرت إحدى البائعات بالترحيب بي و إلقاء التحية باللغة اليابانية ثم قامت بأداء انحناءة (ارستقراطية) كالتي يقوم بها أبطال الكاراتيه قبل بداية المباراة فلم أجد مفرا من ترديد نفس التحية و مبادلتها بانحناءة ممثالة و لحسن الحظ كانت لدي خلفية بسيطة عن بعض الكلمات اليابانية تعلمتها من زملاء لي يابانيين درسوا معي سابقا ، و تكرر نفس السيناريو في كل مرة أنتقل فيها إلى قسم جديد من أقسام المركز حتى أحسست أن ظهري بدأ بالاعوجاج من كثرة الانحناءات فاكتفيت بعدها (بهز رأسي) و ترديد عبارات التحية المعتادة خوفا من أن يصبح ظهري في (خبر كان)!

و عجبي من الشعب الياباني فمن المعروف أنهم يحيون بعضهم (بالانحناءات) التي تقوم مقام (حب الخشوم) لدينا ، فلو فرضنا أن ذلك المركز يقوم باستقبال ألف متسوق يوميا فإن ذلك يعني أن كل بائع ينحني ألف انحناءة يوميا و هذا يعد فوق قدرة الإنسان العادي إلا إذا كان ذلك البائع لاعب (جمباز) سابق أو قام بتركيب ( فقرات مطاطية) في عموده الفقري تستطيع تحمل ذلك الكم الهائل من الانحناءات اليومية!

فإذا كان الياباني يقابلك هناك بابتسامة تتبعها (انحناءة) و من ثم ترحيب نرى العكس تماما في أسواقنا ، فما أن تطأ قدماك المحل إلا و يواجهك البائع الآسيوي بـ (تكشيرة تسد النفس) و إذا قمت بإلقاء السلام فنادرا ما تسمع الرد إما لانشغاله بمشاهدة لقطة مثيرة لإحدى الأفلام الهندية (معظم المحلات يوجد بها تلفاز!) أو زبونة من اللواتي يلبسن (فوق الركبة) ،فضلا عن الروائح الغريبة التي قد تشمها من بعض تلك المحلات، و يزداد الأمر سوءا في فصل الصيف خاصة إذا كان التكييف سيئا، لكن تلك المعاملة تتغير بالكامل إذا كان الزبون (مواطنا) و خاصة إذا كان (كاشخا) و مرتديا لكندورة و غترة و عقال أو لامرأة (كاشخة) هي الأخرى التي من شروطها ارتداء عباءة (نص كم) و شيلة (منزلقة) و ماخذة (دش) عطور قبل مجيئها، ففي هذه الحالة يبادرك البائع بالسلام و الترحيب حتى قبل أن تدخل المحل! بعكس الشعب الياباني المتعاون جدا و صاحب الأسلوب الراقي في التعامل حتى مع الغرباء فبالرغم من أن جميعنا آسيويون إلا أن (آسيوي عن آسيوي……..يفرق) !

أكملت جولتي في أنحاء المركز محاولا تجنب نظرات التعجب و الاستغراب التي كانت تصوب تجاهي سواء من قبل البائعات أو المتسوقين فيبدو أنني كنت أول شخص صاحب (عيون كبيرة) و ملامح عربية يقوم بزيارة ذلك المركز حتى أنني خشيت أن يأتي إلي أحدهم يطلب من (أتوجرافا) مثلما نشاهد المشاهير في التلفاز!

و أكثر قسم شدني و جذب انتباهي هو قسم الإلكترونيات و الأجهزة الكهربائية، فبالرغم من علمي أن اليابانيين هم رواد في ذلك المجال إلا أنني ذهلت مما رأيت من أجهزة و متطورة لم أرها من قبل فلم أجد هناك أثرا لمسجلات الكاسيت حيث أنها انقرضت منذ زمن بعيد و حل محلها أجهزة الاسطوانات المدمجة الصغيرة ( الميني سي دي) و التي لا يتعدى قطر الاسطوانة المستخدمة فيها خمسة سنتيمترات فقط لكن حافظت على نفس سعة السطوانة المدمجة العادية التي بدأت بدورها تنقرض شيئا فشيئا من أسواقهم لكننا إلى الآن مازلنا نستخدم أشرطة التسجيل العادية! و كنت على وشك أن أشتري جهازا لكني صرفت النظر سريعا بعد أن شاهدت (السعر الفلكي) الذي كان على أرخص (موديل) فاليابان تعد من أغلى الدول في العالم (و الله يخلي منتجات تايوان) !

أما عن الهواتف المتحركة فحدث و لا حرج، فالتقنية اليابانية قلصت من أحجامها حتى وصلت الهواتف عندهم إلى أحجام صغيرة جدا و أشكال متناسقة و ظريفة في حين ما زلنا كنا نستخدم في ذلك الوقت ( الأنيس) العملاق و (الهدهد) البري و على (أصغر) تقدير تكرمت علينا اتصالات بـ (المياس) شمعة الجلاس! و لحسن الحظ لم يكن شبابنا مهووسون بعد بالهواتف المتحركة كما نساهد هذه الأيام و إلا كانت أرباح اتصالات تهاوت من ز مان!

سمعت تمتمات غريبة تصدر من سماعات المركز و بطبيعة الحال لم أفهمها لأنها كانت باللغة اليابانية إلا أني أحسست أن ذلك ليس سوى تنبيه للمتسوقين على أن المركز سوف يغلق أبوابه و فعلا كان كذلك حيث بدأ المتسوقون يسارعون إلى الخروج فسارعت بدوري إلى بوابة الخروج أنا و زميلي الإنجليزي لكني أبت المروءة أن أخرج خالي الوفاض من دون أن أشتري شيئا، فبحثت على عجالة عن شيئ (رخيص و يستاهل) فلم أجد إلا علبة شيكولاتة فاخرة و ما شجعني على شرائها أن المكوناتكانت مكتوبة باللغة العربية!

و بما أن الوقت مازال مبكرا على العودة للميناء و كانت معظم المحلات قد أغلقت أبوابها لم نجد مفرا من التسكع في أنحاء المدينة إلى أن وجدنا (ماكدونالز) الذي كان بمثابة المنقذ لزميلي الذي كان يتضور من الجوع فاكتفيت بشرب كوب من شراب البيبسي (كان ذلك قبل المقاطعة!)