حكاية مطعم(1-2)!

تعودت في الفترة الأخيرة أن أصطحب العائلة إذا ما سنحت الفرصة لتناول وجبة العشاء في أحدى المطاعم الراقية كنوع من التغيير و تجربة الجديد من الوجبات و المأكولات.

و بعد صولات و جولات في عدد من المطاعم المنتشرة جربنا خلالها مختلف الأطباق العالمية آثرت التردد على مطعم بعينه تخصص في تحضير الأطباق الآسيوية تميز عن غيره بنظافته و بجودة الأطباق التي يقدمها فضلا عن توفر أماكن مخصصة و معزولة للعائلات تحقق القدر الكافي من الخصوصية المطلوبة و المعدومة في أغلب المطاعم المنتشرة بعد أن تزعزعت ثقتي في معظمها مع أنها ترفع بدورها شعار التميز و الرقي، فأذكر أنني هممت ذات مرة بالجلوس أنا و زوجتي لنفاجأ بصرصور يهرول على الطاولة و كانه مشارك في سباق 100 مترعدو، مما جعل زوجتي تصرخ مرعوبة و تقفز متشبتة بي و كأن جنيا تمثل أمامها و ليس مجرد صرصورمسكين تململ في جحره فخرج يبحث عن (صرصورة) تؤنس وحدته! و بعد أن رأينا ما رأينا ما كان منا إلا أن (هرولنا) نحن بدورنا بحثا عن مكان آخر!

و في مطعم آخر اشتهر بتقديم المشاوي و المأكولات البحرية، أبى فـأر صغير إلا أن يفسد علينا تلك الأمسية الهادئة فخرج يتلصص علينا بعد أن اشتم رائحة الأطباق المشوية التي فاحت في الأجواء لنعيش حالة استنفار و(دربكة) أخرى لأقرر بعدها التوقف فورا عن تجربة مزيد من المطاعم و العودة إلى مطعمي المفضل ، فلم يعد قلبي يقوى على رؤية صراصير و فئران جديدة ترتع و تلعب بين الملاعق و السكاكين! و إن كنا مع ارتيادنا لمطعمنا ذاك سلمنا من رؤية المزيد من الحشرات و القوارض إلا أننا لم نسلم من التعرض لمواقف جديدة لكنها مع بني البشر هذه المرة، فأثناء تناولنا لوجبة العشاء في زيارتنا الأولى إذا بنا نسمع أصوات ضوضاء و جلبة تصدر من ركن من الأركان لنتبين فيما بعد أنها أصوات لعدة فتيات دخلن في شجار مع أحد العاملين في المطعم، فأخذت إحداهن تكيل له سيل من الشتائم و السباب يعجز أي قاموس عن احتوائها و العجيب أنها بعد أن أفرغت مافي جعبتها صاحت قائلة : ((ما يعرفون أنا بنت منو.. و إلا كنت راويتكم شغلكم)) في تهديد صريح امتد ليشمل جميع من في المطعم، مما جعل القشعريرة تدب في أنحاء جسمي ليرتجف بشدة خوفا من تبعات ما قالته تلك الفتاة سليطة اللسان فلم أستبعد بعد ما رأيته و سمعته أن تدخل علينا لتمسك بأحد الصحون الممتلئة بالطعام و من ثم (تفلع) به أحد الموجودين! لكن أحمد الله أن الموضوع تم احتواؤه بسرعة و خرج الفتيات بسلام بعد فاصل إرهابي استطعن من خلاله تعكير صفو المكان و أثرن فوضى لا يسببها إلا أناس فقدوا الحياء و احترام الذات أو كما نقول بالعامية …(بايعينها)!

و بالرغم من استنكاري لما حدث في تلك الليلة إلا انني لم أتردد في العودة إليه مجددا بعد فترة من الغياب، و قدر الله في تلك الليلة أن يكون جارنا في الكابية المجاورة كهل في الخمسينيات جاء بصحبة حسناوتين عربيتين في عمر بناته -بالرغم من أنه لا يوجد ما يوحي أبدا بأنهن كذلك- و نظرا لأن الكبائن متلاصقة مع بعضها البعض كان من السهل علي و على بقية الجيران في الكبائن المجاورة سماع نص الحوار الذي كان يدور بينهم خصوصا أن (الشايب) أبى إلا أن يسمع جميع من في المطعم فأخذ يتحدث طوال الوقت بصوت عالي و استمر في ذلك إلى أن غادر مع صويحباته، فلبرهة اعتقدت أنه سوف يغرق تلك الحسناوتين بسيل من الكلام العذب يتناسب مع الأضواء الخافتة و الأجواء الرومانسية التي تسود المكان، لكن كانت المفاجاة عندما أخذ الشايب يتحدث في أمور بعيدة كل البعد عن الرومانسية.

ما طبيعة ذلك الحوارالذي كان يدور بين ذلك الكهل الخمسيني و مرافقاته؟… ترقبوا الحلقة القادمة..