4 / 8 / 2004 التعليقات على شيشة في السفينة! مغلقة

(979)

شيشة في السفينة!

لم تكن ذكرياتي السابقة عن “أم الأشطان” طيبة، ربما يعود ذلك إلى رداءة نوعية أفراد الطاقم الذي كان متواجدا قبل سنتين عندما كنت على متنها مما جعلني أعجز عن التأقلم معهم و أدخل في مهاترات و صدامات عديدة، و لكن يبدو أن الوضع قد تحسن بشكل كبير فلم يتبق من فلول ذلك الطاقم (الشيطاني) إلا اثنان أو ثلاثة هم بمثابة الصفوة إذا ما قارناهم بنظرائهم الموبوئين و المصابين بشتى أنواع العلل و الإعاقات العقلية…!

الذكرى الطيبة الوحيدة التي مازلت أحملها هي فترة الأربعة أسابيع التي قضيناها في الحوض الجاف بدبي حيث كان بإمكاني العودة إلى المنزل بعد انتهاء فترة الدوام بشكل يومي تقريبا بالإضافة إلى الخبرات الكبيرة التي اكتسبتها بعد معايشتي لأجزاء غرفة المحركات و هي مفككة و هذه الفرصة لا تتاح إلا أثناء أعمال الصيانة الدورية في الحوض الجاف كل ثلاث سنوات.

كنت أظن نفسي الملتحق الوحيد إلا أنني فوجئت بشاب تبدو عليه علامات الطيبة و التواضع لأكتشف فيما بعد أنه كبير المهندسين الجديد تم إرساله في مهمة طارئة ليحل محل نظيره المتواجد على السفينة الذي يعاني من آلام شديدة في الكلى تتطلب العرض على طبيب مختص، ما أثار استغرابي هو صغر سنه حيث درجت العادة ألا يصل المرء إلى رتبة كبير المهندسين إلا بعد سنوات طويلة من الخبرة قد تمتد إلى عشرين سنة و في بعض الحالات ثلاثين! و لكن يبدو أن العجز الحاصل في المراكز أجبرت المسؤولين على الزج ببعض الوجوه الشابة في المراتب العليا مع أن المسؤولية كبيرة جدا.

وجدت صديقي “علي” ينتظرني على أحر من الجمر و علامات السعادة و السرور تبدوان على محياه، فلقد قمنا بعد أخذ و رد بالاتفاق مسبقا بأن أحل محله ليتسنى له حضور حفل زفاف أخيه على أن يعود بعد شهرين لإطلاق سراحي و ألحق أنا بدوري بمقاعد الدراسة في بريطانيا.. و أتمنى أن يفي بوعده كما وفيت أنا بوعدي!

“أم الأشطان” لا تختلف كثيرا عن أختها “مروح” التي كنت على متنها قبل ثلاثة أسابيع فهي إحدى 4 ناقلات شقيقات شيدت في فنلندا و “أم الأشطان” تعتبر آخرذلك العنقود، وبالمناسبة فأم الأشطان هو اسم لإحدى الجزر التابعة لإمارة ابوظبي قبالة السواحل الغربية و ليس (أما للشياطين) كما قد يتبادر إلى أذهان البعض منكم- مع أنها كانت كذلك قبل سنتين مع طاقمها التعيس!- و أعتقد أن التوفيق قد جانب من قام باختيار هذا الاسم فهناك العديد من أسماء الجزر الأخرى الجذابة كان بالإمكان اختيارها بدلا من هذا الإسم (غير المستساغ) و الذي يصعب نطقه على الأجانب!

مازلت عاجزا عن تفسير سر النشاط و الحيوية التي تمتعت بهما عند التحاقي بالسفينة دون أن يصاحبها مشاعر الضيق و الكآبة المعتادة…. هل يا ترى لأن الفاصل بين الرحلتين لم يكن طويلا؟…. أم بسبب الذكريات الجميلة التي حملتها معي من إجازتي القصيرة؟…. أم لعلمي بأن رحلتي هذه المرة لن تطول مقارنة مع سابقتها ؟… لا شك أن أجوبة الأسئلة الثلاثة الأخيرة تحمل بين طياتها تفسير الحالة النفسية الطيبة التي أشعر بها على غير العادة و التي أتمنى أن تستمر دون أية نكسات أو مطبات!

توجهت إلى غرفتي المخصصة أو (الكابينة) كما نطلق عليها فوجدت أن رائحة عطرة تفوح في أرجاء الممر و تزداد تلك الرائحة حدة مع اقترابي من الغرفة (معقول أن يقوم علي بتعطير الممر احتفالا بمقدمي؟!) و لم أحتج وقتا طويلا قبل أن أتبين أن تلك الرائحة الزكية ليست سوى رائحة (معسل التفاح) الذي خلفه تدخين (الشيشة) التي تعد جزءا لا يتجزأ من طقوس صديقي “علي” اليومية كما أخبرني في الإيميلات التي كانت تدور بيننا، لكن المستغرب هو كيف نجح في الحصول على إذن من القبطان ففي بعض الأحيان يتسبب دخانها الكثيف في إنطلاق صفارة تنبيه الحريق، و تحضرني قصة طريفة لها صلة بهذا الموضوع بطلها متدرب ركب إحدى السفين للمرة الأولى، أراد أن يستمتع بتدخين الغليون أو (المدواخ) دون أية مشاكل مع أنظمة السلامة فما كان منه إلا أن قام بتغطية مستشعر الحريق (Fire detector) بواسطة (شراب) للأحذية! و لكنه ارتكب غلطة فادحة و ساذجة عندما رحل من السفينة و نسي (شرابه) معلقا في سقف الحجرة! و النتيجة أن تم رفع هذه الحادثة- التي تعد خطيرة- من قبل القبطان إلى المسؤولين في الشركة الذين اكتفوا بتنبيه ذلك المتدرب شفويا كون والده مسؤول كبير جدا!

أعتقد “علي” علي أذكى من أي يستخدم أي (شراب)!!

لو سألتموني عن الشخص الذي أفتقد تواجده حاليا لأجبت بلا تردد “زيجووووور” فلقد أضاف تواجده خلال الرحلة السابقة إثارة و متعة و كان للنقاشات المحتدمة في بيننا -مع حدتها!- نكهة مميزة لا يضاهيها إلا نكهة مشروب (الفيمتو) الذي ندمت على عدم اصطحابي له هذه المرة!

“زيجور” يعد من القلة القليلة التي تأنس بالإبحار معها بالرغم من تباين الأفكار و المعتقدات بعكس بعض الزملاء ممن ينطبق عليهم المثل: “فراقك عيد….!!!” هذا بالرغم من اشتراكك معهم في الإنتماء و الهوية! أتمنى أن تكونوا قد استمتعتم بقراءة إحدى صفحات يومياتي المتواضعة التي أعتقد أن مكانها المناسب سيكون في قسم الدردشات البحرية.

(979)

أسامة الزبيدي، مدون ومصور فوتوغرافي , من مواليد العاصمة الإماراتية أبوظبي في 1978 بحار سابق وموظف حالي ورجل أعمال على قد حاله